ما بين نشوة النصر الزائف و صدمة الواقع الحالي
محمد منصور – الجزيرة توك - دمياط
"أنا فاكر كده من حوالى عشرين سنة كان فيه مظاهرات وأحداث استشهد فيها ناس كتير وأيامها الرئيس تنحى وأعطى الحكم لمجلس من العسكر الموالين له اللي قدروا يسيطروا على الموقف تدريجيا وفي النهاية استولوا على الحكم"... ما سبق هو ما أظن أنه أحدنا سيقوله لإبنه أو حفيده في المستقبل عندما يسأله الأخير عن ما كان يعرف يوما بثورة 25 يناير...
هذا قد يحدث ببساطة لو استمر الوضع الحالي فى مصر على ما هو عليه ولم يستيقظ الشعب من غفوته ويستفيق من نشوة تنحي الرئيس عن الحكم والتي ثبت بالدليل القاطع أنها كانت المسمار الأول في نعش الثورة.
فمنذ بداية أحداث الثورة وأنا أواظب على تغطية أحداثها والكتابة عن تطوراتها... ولكن شيئاً فشيئاً وجدت أن الوضع في مصر لا يتغير وإن تغير فهو يصير للأسوأ لدرجة جعلتني لا أقوى على كتابة حرف واحد عن أحداث ثورة أنا متأكد تماما أنها لم يعد لها وجود؛ بعد ما استطاع المجلس العسكري أن يحتوي كل محاولات إيقاظها مرة أخرى، كنت أغضب بشدة من التعليقات التي كانت منتشرة في الظروف الماضية والتي كانت تتهمني أنا وزملائي بالعمالة ومحاولة تهييج الأوضاع في مصر والإساءة للمجلس العسكري ودوره فى "حماية" الثورة.
ولكني الآن أعود للكتابة عن مصر لأنني وجدت من كانوا مغيّبين بنشوة تنحي مبارك ومن كانوا يظنون أن العسكر سيسلمون السلطة في مدة 6 أشهر. الآن بعد مرور سبعة أشهر يعترفون بصحة ما تحدثت عنه أنا وغيري سابقاً والذي مفاده أن المجلس العسكري الحاكم بسلطة الأمر الواقع الآن في مصر لا يفرق كثيراً عن الرئيس المخلوع مبارك بل إنه في الواقع يتفوق عليه في القمع والديكتاتورية بشكل واضح.
إذا نظرنا الى الحال بعد تنحي مبارك في شهر فبراير الماضي سنجد سلسلة من الأحداث التي لو ربطنا بينها سنجد المحصلة: "فشل الثورة واجهاضها". ما بين حكومة ضعيفة وانفلات أمني واسع ومتزايد وقمع وتنكيل بأسر الشهداء والعمال المطالبين بحقوقهم ومحاكمات عسكرية لما يقارب 14ألف مصري، وسيوف مسلطة على كل إعلامي محترم يود قول كلمة الحق المريرة التي لا يجرؤ أن يقولها أحد حالياً وأوضاع أقتصادية متردية وعودة لفلول الحزب الوطني، وأخيراً فتن طائفية ومشاكل واستمرار للتعذيب في السجون.
وكل ما سبق مقصود كي ينشغل الشعب عن المكيدة التي تدبر له والتي كان هو نفسه مشارك فيها عندما صوتت أغلبيته بـ"نعم" على تعديل الدستور الذي ثبت بعد ذلك أنه كان الخطأ القاتل الثاني الذي قام به الثوار بعد الخطأ الأول وهو إخلاء ميدان التحرير. وبناء على ما سبق فقد كانت استراتيجية المجلس العسكري للتعامل مع الوضع القائم في مصر تتلخص في ثلاثة محاور (بالونات الإختبار – عوامل الإلهاء – التفريق).
المحور الأول: بالونات الإختبار
كانت أول استراتيجية استخدمها المجلس العسكري في محاولاته لإجهاض الثورة، وتتلخص هذه الاستراتيجية في جسّ نبض الشارع المصري إزاء قرارات يود المجلس اتخاذها ويخشى من ردة فعل عنيفة من قبل الشعب لذلك يقوم المجلس بتسريب أنباء عن طريق وسائل الإعلام الموالية له، وعن طريق أعضاء ما يسمى "اللجنة الإلكترونية" وهم عدد من الشباب الذين كان الحزب الوطني السابق كان قد عينهم لمواجهة النشطاء المناهضين له على الإنترنت ويستخدمهم الآن المجلس العسكري لينشروا تسريبات حول ما يعتزم المجلس تنفيذه من قرارات وإذا رأى أن رد الفعل الشعبي كان رافضاً لهذه القرارات يخرج علينا أحد لواءات المجلس وينفي هذه التسريبات جملة و تفصيلا.
المحور الثاني: عوامل الإلهاء
وقد مُنيت هذه الإستراتيجية بفشل ذريع وملخصها: أنه عندما يجد المجلس العسكري تصاعداً للغضب تجاهه يلجأ الى تفعيل أحداث قد تؤدي الى التهاء الناس بالجدل حولها، مثل صفقة التبادل بين حماس وإسرائيل وبين مصر وإسرائيل والمصالحة بين فتح وحماس وغيرها... أو قد يلجأ الى افتعال أحداث أمنية أو طائفية أو سياسية أو حتى عسكرية، كحادث استشهاد الجنود المصريين على الحدود كي ينثر الرماد في العيون وهي سياسة كانت متبعة في مصر منذ عشرات السنين.
المحور الثالث استراتيجية التفريق
أو سياسة فرق تسدْ، وهذه الإستراتيجية هي الأكثر نجاحاً التي استعملها المجلس العسكري؛ حيث استطاع أن يجعل المسرح السياسي في مصر الآن في حالة تشتت تام وتفرق بين كم الأحزاب والائتلافات التي ظهرت بعد الثورة، وعكف المجلس يستميل هذا الحزب تارة ويعادي هذا الائتلاف تارة أخرى، وهذا الوضع أدى الى وضع بعض الحركات السياسيّة الهامة مثل حركة إبريل في موضع اتهام بالتمويل الخارجي، وتناسى الجميع دورها الفاعل عندما كان الجميع صامتا وراضيا بالحكم السابق. كما أدى هذا الوضع أيضا الى أن بعض الأطراف السياسية كالإخوان المسلمين ومعظم التيار السلفي باتوا يتعاملون مع المجلس العسكري كأنه ضمانتهم الوحيدة لأكثر شيء يريدونه الآن وهو: الإنتخابات.
هذه السياسة الجهنمية من جانب المجلس العسكرى أدت في النهاية الى تصاعد الكراهية والغضب تجاهه في أوساط شعبية عديدة، وكانت شرارة هذا التصاعد ما حدث أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون من جرائم بشعة بحق الأقباط المتظاهرين الذين تم دهسهم بالمدرعات، تزامناً مع حملة تحريض كبيرة من جانب التلفزيون المصري الذى كان يريد أن يرى أنهارا من الدماء؛ لكن الله سلم ولم يقع الناس في هذا الفخ وتيقن الناس أن المجلس العسكري يلعب بالورقة الطائفية كلما وجد الخناق يضيق عليه.

مجريات البروفة
ثم بدء الغضب يتصاعد أكثر وأكثر عندما بدأت موجة استدعاءات للنيابة العسكرية شملت عدد من الإعلاميين و الصحفيين والنشطاء كان آخرهم الناشط والمدون علاء عبد الفتاح الذي كان من النشطاء البارزين خلال أحداث ما كان يعرف بثورة 25 يناير، وتزامن مع هذه الموجة عودة لسقوط ضحايا نتيجة تعذيب وقمع الشرطة في السجون وخارجها، وهو ثمن يدفعه الثوار لسكوتهم على اعتقال ضباط القوات المسلحة الذين نزلوا يوم 8 إبريل الماضي ليحذروا من المجلس العسكري الحاكم؛ فتم اعتقالهم وحبسهم ومرّ هذا الموقف مرور الكرام والآن جاء الدور على باقي الشرفاء.
أما الطامة الكبرى فهي آخر باكورة المتاهات السياسية التي ابتدعها المجلس العسكري وبدأها الدكتور يحيى الجمل أو كما يطلق على نفسه "الطود العظيم" والذى يعتبر نسخة من الدكتور السنهوري ترزي في قوانين الضباط الأحرار عام 1952. بدأت هذه المتاهات بالاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أحدثت شرخا في صفوف الثوار، ثم ما عرف بالإعلان الدستوري، ثم مبادرات مثل الوفاق القومي وبيت العائلة، وأخيراً وليس آخراً وثيقة مبادئ الدستور التى دافع نائب رئيس الوزراء علي السلمي عن صياغتها كي يُشرعِنَ سيطرة العسكر على مجلس الشعب القادم وعلى الحياة السياسية في المستقبل، وفي نفس الوقت يعطى حصانة ضمنية للعسكر.
ثم بدء الغضب يتصاعد أكثر وأكثر عندما بدأت موجة استدعاءات للنيابة العسكرية شملت عدد من الإعلاميين و الصحفيين والنشطاء كان آخرهم الناشط والمدون علاء عبد الفتاح الذي كان من النشطاء البارزين خلال أحداث ما كان يعرف بثورة 25 يناير، وتزامن مع هذه الموجة عودة لسقوط ضحايا نتيجة تعذيب وقمع الشرطة في السجون وخارجها، وهو ثمن يدفعه الثوار لسكوتهم على اعتقال ضباط القوات المسلحة الذين نزلوا يوم 8 إبريل الماضي ليحذروا من المجلس العسكري الحاكم؛ فتم اعتقالهم وحبسهم ومرّ هذا الموقف مرور الكرام والآن جاء الدور على باقي الشرفاء.
أما الطامة الكبرى فهي آخر باكورة المتاهات السياسية التي ابتدعها المجلس العسكري وبدأها الدكتور يحيى الجمل أو كما يطلق على نفسه "الطود العظيم" والذى يعتبر نسخة من الدكتور السنهوري ترزي في قوانين الضباط الأحرار عام 1952. بدأت هذه المتاهات بالاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أحدثت شرخا في صفوف الثوار، ثم ما عرف بالإعلان الدستوري، ثم مبادرات مثل الوفاق القومي وبيت العائلة، وأخيراً وليس آخراً وثيقة مبادئ الدستور التى دافع نائب رئيس الوزراء علي السلمي عن صياغتها كي يُشرعِنَ سيطرة العسكر على مجلس الشعب القادم وعلى الحياة السياسية في المستقبل، وفي نفس الوقت يعطى حصانة ضمنية للعسكر.
ويكفي أن تعرف أخي القارئ أن المادتين التاسعة والعاشرة من وثيقة مبادئ الدستور التي أراد نائب رئيس الوزراء أن توافق عليها جميع القوى السياسية، ثم عاد وقال إنه فقط مسودة تنصّ على أنه يجب عرض أي تشريع يتعلق بالقوّات المسلحة قبل إصداره على المجلس الأعلى للقوات المسلحة. كما أن المادة الثانية تتيح للمجلس العسكري الاعتراض على أي نص في مشروع الدستور الذي سيتم إعداده، خصوصاً أن له ممثلاً في الجمعية التأسيسية التي ستقوم بإعداد مسودة الدستور.
كما أن للمجلس العسكري الحق في تشكيل جمعية تأسيسية جديدة في حال عدم قدرة الجمعية التأسيسية التي سيتم تشكيلها لإعداد الدستور في مدة ستة أشهر والى ما هنالك من بنود تضع للمجلس العسكري سيطرة واضحة على الدستور، ومن سيقومون بوضعه. بل إن هناك تسريبات عن مواد فوق دستورية سيعلن عنها المجلس العسكري تعطي له الحق حصراً في إبرام صفقات التسليح وتجعل ميزانية وزارة الدفاع سرية وغيرمعلنة، هذا الموقف جعل جماعة الإخوان المسلمين ولأول مرة منذ سبعة أشهر تتخذ موقفاً قوياً وترفض هذه الوثيقة وهذا يعد أول خلافاً في وجهات النظر بين المجلس العسكري والإخوان، وهو ما يُنذر بقرب انتهاء شهر العسل بينهما.
خلاصة القول إن التاريخ أثبت أن كرسي الحكم له بريق خاص لدى العسكر، وأنهم لم يسلموا الحكم لمدني. وفي التاريخ أيضا أن الضباط الأحرار في ثورة 23 يوليو 1952 قالوا إنهم سيسلموا الحكم للمدنيين بعد ستة أشهر، وأنهم سيعيدوا الحياة السياسية الديموقراطية التي كانت سائدة قبل الثورة ولكن ما حدث هو أن العسكر ظلوا يحكموننا حتى اليوم.
إذن بروفة الثورة انتهت... وقد حان موعد الثورة الحقيقية التي قد تكون يوم 18 نوفمبر القادم؛ حيث سيكون فيه تظاهرات حاشدة مناهضة للمجلس العسكري الذي جعل مؤيديه من الصعب أن يستمروا في تأييدهم له بعد أن فعل كل ما يمكن فعله لكي يكرهه الناس في مصر... هؤلاء الناس يقارنوا بين نتائج ثورة ليبيا وتونس فيشعروا بالحزن والخيبة... ففي تونس لم يفكر الجيش في تولى السلطة، وفي ليبيا سقط شهداء من الثوار، فقال زملاؤهم: "دم الشهداء ما يمشيش هباء" لكننا في مصر عندما سقط لنا شهداء قلنا: "سلمية سلمية".


